ابن رشد

238

تهافت التهافت

المشرق ، فإنهم يرون أن الآلهة عندهم هي الأجرام السماوية على ما كان يذهب إليه ، وهم مع هذا يضعفون طريق أرسطو في إثبات المبدأ الأول من طريق الحركة . وأما نحن فقد تكلمنا في هذه الطريقة غير ما مرة ، وبينا الجهة التي منها يقع اليقين فيها ، وحللنا جميع الشكوك الواردة عليها ، وتكلمنا أيضا على طريقة الإسكندر في ذلك ؛ أعني الذي اختاره في كتابه الملقب « بالمبادئ » وذلك أنه يظن أنه عدل عن طريقة أرسطو . كلتا الطريقتين صحيحة ، لكن الطريقة الأشهر في ذلك هي طريقة أرسطو . ولكن إذا حققت طريقة واجب الوجود عندي على ما أصفه كانت حقا وإن مكان فيها إجمال يحتاج إلى تفصيل ، وهو أن يتقدمها العلم بأصناف الممكنات الوجود في الجوهر ، والعلم بأصناف الواجبة الوجود في الجوهر . وهذه الطريقة هي أن نقول أن الممكن الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود بإطلاق وهو الذي لا قوة فيه أصلا ، لا في الجوهر ولا في غير ذلك من أنواع الحركات . وما هو هكذا فليس بجسم . مثال ذلك : إن الجرم السماوي قد ظهر من أمره أنه واجب الوجود في الجوهر الجسماني وإلا لزم أن يكون هنالك جسم أقدم منه ، وظهر من أمره أنه ممكن الوجود في الحركة التي في المكان ، فوجب أن يكون المحرك له واجب الوجود في الجوهر ، وألا يكون فيه قوة أصلا ، لا على حركة ، ولا على غيرها ، فلا يوصف بحركة ، ولا سكون ، ولا بغير ذلك من أنواع التغيرات . وما هو بهذه الصفة فليس بجسم أصلا ، ولا قوة في جسم . وأجزاء العالم الأزلية إنما هي واجبة الوجود في الجوهر : إما بالكلية كالحال في الأسطقسات الأربع ، وإما بالشخص كالحال في الأجرام السماوية .